الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
162
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
على عكس قول ضابي بن الحارث : ومن يك أمسى بالمدينة رحله * فإنّي وقيّار بها لغريب فإنّ وجود لام الابتداء في قوله : « لغريب » عيّن أنّه خبر ( إنّ ) وتقدير خبر عن قيّار ، فلا ينظّر به قوله تعالى : وَالصَّابِئُونَ . ومعنى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ من آمن ودام ، وهم الّذين لم يغيّروا أديانهم بالإشراك وإنكار البعث ؛ فإنّ كثيرا من اليهود خلطوا أمور الشرك بأديانهم وعبدوا الآلهة كما تقول التّوراة . ومنهم من جعل عزيرا ابنا للّه ، وإنّ النّصارى ألّهوا عيسى وعبدوه ، والصابئة عبدوا الكواكب بعد أن كانوا على دين له كتاب . وقد مضى بيان دينهم في تفسير نظير هذه الآية من سورة البقرة [ 62 ] . ثمّ إنّ اليهود والنّصارى قد أحدثوا في عقيدتهم من الغرور في نجاتهم من عذاب الآخرة بقولهم : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] وقولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] ، وقول النّصارى : إنّ عيسى قد كفّر خطايا البشر بما تحمّله من عذاب الطّعن والإهانة والصّلب والقتل ، فصاروا بمنزلة من لا يؤمن باليوم الآخر ، لأنّهم عطّلوا الجزاء وهو الحكمة الّتي قدّر البعث لتحقيقها . وجمهور المفسّرين جعلوا قوله وَالصَّابِئُونَ مبتدأ وجعلوه مقدّما من وتأخير وقدّروا له خبرا محذوفا لدلالة خبر ( إنّ ) عليه ، وأنّ أصل النظم : أنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنّصارى لهم أجرهم إلخ ، والصابون كذلك ، جعلوه كقول ضابي بن الحارث : فإنّي وقيّار بها لغريب وبعض المفسّرين قدّروا تقادير أخرى أنهاها الألوسي إلى خمسة . والّذي سلكناه أوضح وأجرى على أسلوب النّظم وأليق بمعنى هذه الآية . وبعد فممّا يجب أن يوقن به أنّ هذا اللّفظ كذلك نزل ، وكذلك نطق به النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ، وكذلك تلقّاه المسلمون منه وقرءوه ، وكتب في المصاحف ، وهم عرب خلّص ، فكان لنا أصلا نتعرّف منه أسلوبا من أساليب استعمال العرب في العطف وإن كان استعمالا غير شائع لكنّه من الفصاحة والإيجاز بمكان ، وذلك أنّ من الشائع في الكلام أنّه إذا أتي بكلام موكّد بحرف ( إنّ ) وأتي باسم إنّ وخبرها وأريد أن يعطفوا على اسمها معطوفا هو غريب عن ذلك الحكم جيء بالمعطوف الغريب مرفوعا ليدلّوا بذلك على أنّهم أرادوا